السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أحب فى بداية كلمتى أن أعرب عن سعادتى وامتنانى لدعوتنا إلى مؤتمركم هذا لمناقشة قضية الاضطهاد الدينى لشعب الأويغور .

السيدات والسادة

كنت أتصور أن الاضطهاد الدينى قضية طوى التاريخ صفحتها بانتهاء العصور الوسطى فإذا بها تتجدد مرة أخرى فى عالم اليوم الذى يسعى لإرساء قيم التسامح والحرية والعيش المشترك . وينبذ الصراعات الطائفية والعرقية بكل أشكالها.

وإنه مما يثير الدهشة أن تكون قضية الاضطهاد الدينى واحدة من القضايا التى تثار فى القرن الحادى والعشرين، بعد أن بلغت الانسانية ما بلغته من تطور وعلم وقوانين وتشريعات ، وأصبحت هناك مؤسسات ومنظمات دولية يتصل عملها اتصالا مباشرا بحقوق الإنسان فى كافة أرجاء الدنيا. وكلها نصت على احترام حرية العقيدة وأنه لايجوز اضطهاد إنسان بسبب جنسه أو عرقه أو دينه. وإن ظهور اضطهاد دينى أو عرقى فى بلد ما إنما يدل على عدم فعالية هذه المنظمات والقوانين وأن هناك حاجة باتت ملحة إلى إيجاد آليات فعالة لمواجهة ظاهرة الاضطهاد بسبب الدين.

السيدات والسادة

لن أتكلم كثيرا عن وقائع ومظاهر الاضطهاد الدينى لشعب الأويغور التركى عرقا ولغة والمسلم عقيدة ودينا، فهذا الأمر بات معروفا للعالم كله منذ ان وقعت تركستان الشرقية تحت الحكم الصينى فى عام 1949م، ومنذ أن أعلنت الحكومة الصينية رسميا إعتبار الإسلام خارجا عن القانون ومنعت تدريسه وعاقبت كل من يعمل به، وأغلقت أكثر من 28 ألف مسجد و18 ألف مدرسة دينية، ومنعت كافة مظاهر الدين الإسلامي بما فيها الفرائض من صوم وصلاة، وقراءة القرآن، وارتداء الحجاب، بالإضافة إلى إجبار الفتيات الاويغوريات على الزواج من الصينيين وهو ما تحرّمه العقيدة الإسلامية ، بل وترفضه القوانين الانسانية،

كل هذه السياسات هى خروج على ركيزة من أهم ركائز القانون الدولي المعاصر ومخالفة صريحة لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي صادقت عليها الحكومة الصينية، وتجاهُل لما نصّ عليه دستورها من (حماية الحريات الثقافية والدينية). فيما يتعلق بالتعامل مع الأويغور والقوميات العرقية الأخرى التى تتشكل منها الصين. ففى1/10/1955 أعلنت الصين تأسيس منطقة شينجيانج الأويغورية ذات الحكم الذاتي. والحكم الذاتى هو نظام قانوني وسياسي لا مركزي، مبني على أساس الاعتراف لإقليم مميز قومياً أو عرقيا داخل الدولة بالاستقلال في إدارة شؤونه تحت إشراف ورقابة السلطة المركزية، في إطار الوحدة القانونية والسياسية للدولة .ويمنح الحكم الذاتي صلاحية للدولة أو الإقليم المتمتع به إمكانية حكم ذاته عبر حكومة ومجلس نواب وقوانين لا تخضع لرقابة الجهة المهيمنة التي قد تكون الدولة الاتحادية أو الدولة المستعمرة أو جهة منتدبة، وذلك تمهيدا لاستقلالها فى مرحلة تالية.

وقد كافح شعب الأويغور طوال ما يزيد عن ستين عاما من أجل تحقيق مقومات الحكم الذاتى من أجل المحافظة على هويته الثقافية والدينية. وكان رد الحكم الصينى اتهامه بالرغبة فى الانفصال ومن ثم التوسع فى الاعتقال والقتل بهذه التهمة.

وعقب انهيار الاتحاد السوفياتي واستقلال جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية في عام 1991، تدهورت أوضاع الأويغور في تركستان الشرقية جراء تمادي السلطات الصينية في إجراءاتها القمعية خشية أن تصل إلى تركستان الشرقية رياح الخلاص التى حررت تركستان الغربية من الحكم الروسي.

ثم كانت أحداث الحادى عشر من سبتمبر2001م نقطة تحول فى تاريخ العالم إذ أعطت هذه الأحداث الغطاء السياسى للحملة على المسلمين والإسلام ووصمهم بالإرهاب وظهور اصطلاح “الاسلاموفوبيا”(أى الخوف من الإسلام)، ومنذ هذا التاريخ والحرب على المسلمين والإسلام شملت أهم مناطق العالم الغنية بالثروات وذات الأهمية الاستراتيجية، ومنها تركستان الشرقية.

وتشكل تركستان الشرقية سدس الأراضي الصينية وهى إقليم ذو أهمية استراتيجية، وجغرافية، واقتصادية، إذ تحتوي على ثلث الاحتياطي الصيني من البترول والغاز الطبيعي، وثروة معدنية من الذهب، والفحم، واليورانيوم، إضافة إلى ثروتها الزراعية والحيوانية التى تعتمد عليها الصين ، فضلا عن موقعها المتميز الذي يُمكّن الصين من مجاورة 8 دول مختلفة، كما انها طريق الصين للاتصال بريا بقارة آسيا.

وبسبب كل هذه العوامل تسعى الصين لإحكام قبضتها على الإقليم ولا يمكن أن تتخلى عنها، واتخذت من دعوى محاربة الإرهاب مبررا لإجراءات أكثر عنفا حيال مطالبة الأويغور بحقوقهم الإنسانية من حرية التعبير وعدم التمييز وحرية التنقل، ضاربة عرض الحائط بكل الحريات الإنسانية ومنها وحرية العقيدة. إذ يرون أن ممارسة لشعيرة من شعائر الدين هى التطرف، وأن الاحتجاج على قمع الحرية الدينية هو الإرهاب، وأن المطالبة بمقتضيات الحكم الذاتى هو دعوة للانفصال.

إننا يمكن لنا أن نتفهم تخوف الصين من الإرهاب، لكن إطلاق مسمى الإرهاب على كل رفض للإضطهاد الدينى هو الإرهاب بعينه.

إن حرمان الأويغور المسلمين من حقوقهم الدينية وممارسة الاضطهاد الدينى هو جريمة إنسانية، ومخالف للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي نص في المادة الثانية على منح “كل إنسان حق التمتع بالحقوق والحريات من دون تمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين …”.

وإذا كان من الممكن تفهم ضرورة تشديد إجراءات الأمن لمواجهة أعمال العنف والإرهاب التى تضرب أرجاء كثيرة من العالم، لكن من غير المنطقى الصاق الإرهاب بالدين ، ومنع السلطات الصينية موظفى الدولة والمدرسين والطلاب والموظفين والعمال الأويغور فى تركستان الشرقية من صوم رمضان وهو من الفرائض الأساسية التي فرضها الله على المسلمين، وإجبار الأهالي على التوقيع بإلزام أبنائهم الإفطار قسرًا في نهار رمضان بدعوى أنه يضر بالصحة، ومنع النساء من ارتداء الحجاب وهو من أوامر الدين، وتقييد خروجهم للحج وهو من أركان الإسلام، كل هذه الممارسات، من شأنها أن تدفع الأويغور إلى المطالبة بحقهم فى تقرير مصير اقليم تركستان الشرقية.

إن قضية شعب الأويغور تعبر بشكل واضح عن عجز المؤسسات والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان عن تفعيل دورها على أرض الواقع بشكل منصف. فالأويغور شعب قوامه حوالى خمسة وعشرين مليون إنسان، وهى كتلة تساوي عدد سكان فنلندا والنرويج وكرواتيا وأيرلندا وأرمينيا وليتوانيا وإستونيا وقبرص ولوكسمبورج ومالطا وايسلندا من دول الاتحاد الأوروبى، وتساوي أيضا عدد سكان جزر القمر وجيبوتى والبحرين وقطر وموريتانيا والكويت وسلطنة عمان ولبنان من البلاد العربية. هذه الكتلة الإنسانية المعتبرة تتعرض منذ عام 1949م وبشكل ممنهج لمختلف أشكال التمييز العرقي والديني، والذي تصاعد بشدة بعد الحادى عشر من سبتمبر للأسباب التى أشرنا إليها سلفا.

إن حق شعب الأويغور فى تقرير مصيره لا ينبغى أن يكون محل أى مساومات أو صفقات سياسية أو اقتصادية بين القوى المسيطرة على العالم ، إنما ينبغى أن يتم التفاعل معه على ضوء القانون الدولى فحق تقرير المصير يعنى حق كل مجتمع ذي هوية جماعية مشتركة كالدين أو العرق في اختيار النظام السياسي الذي يحكمه والوطن الذي ينتمي إليه دون أي تدخل من السلطات الداخلية القائمة أو من جهة خارجية.

إن سياسة تغيير التركيبة الديموجرافية لتركستان الشرقية التى انتهجتها الصين منذ فرض سيطرتها على الإقليم بين تهجيرالأويغور وتوطين الصينيين أدت إلى انخفاض نسبة شعب الأويغور لأقل من 40% من إجمالي السكان في تركستان الشرقية، وفضلا عن الأويغور الذين تم تهجيرهم إلى المناطق الصينية خارج تركستان، أو الذين خرجوا من تركستان إلى دول أخرى هربا من القهر والاضطهاد وربما من القتل؛ كل هذا لا ينبغى أن يحول دون مشاركتهم فى تقرير مصير تركستان الشرقية.

السيدات والسادة

إننا ننتظر من الدول العظمى والمنظمات الدولية والحقوقية التى دافعت عن حقوق المثليين وحقوق منكرى الأديان، أن تدافع بنفس القوة والحماس عن حق شعب الأويغور فى تقرير مصيره.

إننا لا نتبنى خطاب الكراهية أو التحريض على العنف ولكننا نتبنى خطابا انسانيا يدافع عن حق شعب الأويغور فى الحياة وفق متطلبات دينهم دون قهر وأن يتمتعوا بحقهم الانساني في ممارسة عبادتهم وتقرير مصيرهم. فالإسلام دين السلام تحيته لمن يلقاه المسلم هي السلام عليكم، ثم الدعاء له بالرحمة والبركة، إنه دين “وجادلهم بالتى هى أحسن” ودين حرية الاعتقاد بنص القرآن الكريم” لكم دينكم ولى دين” صدق الله العظيم.

د.ماجدة صلاح مخلوف

أستاذ قسم اللغات الشرقية وآدابها

جامعة عين شمس القاهرة – مصر

ملاحظة: المقال تم تقديمه في مؤتمر”الدفاع عن الحرية الدينية لشعب الأويغور في تركستان الشرقية” في البرلمان الأوروبي – بروكسيل بلجيكا  بتاريخ 22-24أكتوبر2015م

المصدر: موقع تركستان تايمز