مآسى تركستان الشرقية (تحديد النسل)

مآسى تركستان الشرقية (تحديد النسل)

مآسى تركستان الشرقية

تحديد النسل

للحضارة الإسلامية رؤيتها لمسألة إنجاب الأطفال وهى تندرج بصفة عامة تحت مبدأين :-

الأول :حق الإنسان فى الإنجاب من خلال منظومة الزواج التى تحددها الشريعة الإسلامية.

الثانى : حق الجنين – مشروع الإكسان القادم – فى الحياة .

ولا يخفى على أحد مدى حفاوة الثقافة والمجتمعات الإسلامية بالوليد القادم، ومدى احترام الإسلام للإنسان وتكريمه سواءا كان جنينا أو إنسانا مكتملا.

تلجأ الحكومات إلى عملية الحد من الإنجاب (تحديد النسل) إذا لم تستطع تحقيق التوازن بين النمو السكاني وعملية التنمية الاقتصادية وكذلك للحد من الضغط واستنزاف مواردها الاقتصادية المحدودة .

وقد بدأت الصين منذ عام 1973 ، فى تطبيق سياسة تحديد النسل حيث كان التعداد السكانى بها فى نهاية ذلك العام قد وصل إلى نحو 900 مليون نسمة، وترتبط سياسة تحديد النسل فى الصين بعدة أسس يجب الالتزام بها:

1- تأخير سن الزواج

2- تأخير حدوث الحمل، وتباعد المدة بين الحمل والآخر

3- طفل لكل أسرة

وفى ظروف خاصة يمكن السماح للأسرة فى المناطق الريفية بإنجاب طفل ثان بعد سنوات قليلة من إنجاب الطفل الأول، وهذا بالنسبة (للهان) العرق الأكبر داخل الصين.

تأخير حدوث الحمل، وتباعد المدة بين الحمل والآخر

تأخير حدوث الحمل، وتباعد المدة بين الحمل والآخر

وتنص المادة (49) من دستور الصين الصادر عام 1982، والمادتان (2)،(12) من قانون الزواج الصادر عام1980 على وجوب تطبيق قواعد تحديد النسل والتزام الزوج والزوجة بذلك، كما تمنع المادة (5) من قانون الزواج توقيع عقود الزواج قبل بلوغ الرجل (22) عاما والمرأة (20) عاما؛ ويتم الزواج بالتوقيع الشخصى للرجل والمرأة الراغبين فى الزواج لدى الموظف المسئول فى مكتب تسجيل الزواج، ويصبح الزواج ساريا باستلامهما وثيقة الزواج وذلك حسب نص المادة (8) من قانون الزواج فى الصين.

وبالنسبة للأقليات القومية داخل الصين، وهم يمثلون نحو(9%) من سكان الصين ويعيشون فى مناطق شاسعة المساحة تزيد على نصف مساحة الصين وتتمتع بموارد طبيعية بالغة الثراء فمسألة الزيادة السكانية لاتمثل مشكلة بل قد تكون مطلوبة لتعمير الأرض واستغلال الموارد، كما أنها نوع من المقاومة للقهر وطمس الهوية؛ وقد قررت السلطة المركزية فى الصين عام 1982 وجوب إدراج الأقليات القومية فى عملية تحديد النسل.

وفى أكتوبر 1985 قررت لجنة الحزب الشيوعى بتركستان الشرقية تطبيق تحديد النسل على التركستانيين والسماح للأسرة فى المدن بإنجاب طفلين وفى الريف ثلاثة أطفال

التطبيق الصينى لسياسة تحديد النسل بين التركستانيين داخل تركستان الشرقية

عند تطبيق قواعد تحديد النسل على التركستانيين مختلفى الثقافة والدين والعرق واللغة عن الصينيين تحدث انتهاكات وممارسات شديدة القسوة وغير إنسانية وبالأخص فى المناطق الجنوبية من تركستان الشرقية، حيث تجرى عمليات تعقيم إجبارى، وإجهاض للحوامل مما يتسبب فى موت الكثير من الأمهات، وربما فصل الأزواج الموظفين من الخدمة بسبب حمل زوجاتهم غير المسوح به قانونا، وتشير المعلومات التى ترد من داخل تركستان الشرقية أن تلك العمليات تجرى على نطاق واسع. ويشير تقرير الخارجية الأمريكية عن حالة حقوق الإنسان فى العالم لعام 2008 إلى تلك الانتهاكات، وينوه عن تعرض الأزواج المخالفين لقواعد تنظيم النسل ومن يساعدهم لتدمير ممتلكاتهم أومصادرتها، ومنعه من الترقية أو تخفيض درجته الوظيفية، والفصل من عضوية الحزب الشيوعى.

وبالإضافة إلى الأسس السابقة التى تقوم عليها عملية تحديد النسل أو تنظيم الأسرة، توجد إجراءات تتبع، وعقوبات يتم تطبيقها على المخالفين لقواعد الإنجاب، ويشمل ذلك:

1- حصة مواليد لكل بلدة، فعلى سبيل المثال بلدة سكانها (180) ألف نسمة تحدد الزيادة السكانية السنوية لها بأربعة آلاف نسمة مع عدم تجاوز تعداد سكان البلدة (190) ألف نسمة فى خلال ثلاث سنوات مما يمنح الإمكانية للقائمين على تطبيق سياسة تحديد النسل لمنع عمليات الإنجاب المسوح بها فى إطار حصة كل أسرة بدعوى أن حصة البلدة من الزيادة السكانية لا تسمح بذلك.

2- إجراءات عمليات إجهاض وتعقيم إجبارية للمخالفين من السيدات والرجال أحيانا.

3- فرض غرامة مالية على المخالفين مع إسقاط حق الطفل الزائد فى المواطنة، وتبلغ الغرامة نحو (800) دولار، وهو مبلغ ضخم بالنسبة لدخول السكان من التركستانيين.

وقد ورد فى تقرير منظمة العفو الدولية لعام 1999م (1420 هـ) أن السلطات فى تركستان الشرقية أصدرت ما يسمى بعقود تحديد النسل التى يفرض على النساء المقبلات على الزواج توقيعها، وتشمل الآتى:

- منع الحمل شرط إجبارى.

- تحديد وسيلة منع الحمل المختارة.

- الإجهاض هو الحل الوحيد فى حالة حدوث حمل غير مرخص به.

- العقوبات التى تفرض على من تحل خارج نطاق خطة تحديد النسل والتى تتضمن فرض غرامة مالية لحين أن يتم إجهاض الجنين.

وتقوم هيئات رسمية بالإشراف على مجمل عملية تحديد النسل مثل:

- منظمات تحديد النسل.

- مراكز حماية الأمهات.

- مراكز صحة الأطفال.

ويقوم مسئولو هذه الهيئات بمتابعة المتزوجات حديثا وحالات الحمل القائمة، كما يتجولون داخل القرى والمدن، وإذا ما تم اكتشاف امرأة حامل تجاوزت ما هو مقرر تؤخذ مع غيرها حيث يوضعن فى شاحنات إلى حيث يتم إجهاضهن، وفى حالة حدوث ولادة عادية فى المستشفى، فمن الممكن أن يقوم الأطباء أو مسئولو تنظيم النسل بقتل الأطفال حديثى الولادة فوق العدد المقرر للأسرة، وربما حدث ذلك أمام ذويهم، وهناك ممارسات عنيفة فى إطار عملية تحديد النسل داخل الصين بشكل عام، غير أن الأمر أكثر سوءا وقسوة فى تركستان الشرقية. وترصد تقاريرعدة تجاوزات مسئولى تنظيم النسل ، والتى تشمل احتجاز الحامل ومن يساعدها، والضرب والإجهاض الإجبارى، وقتل المولود؛ وتقوم السلطات الصينية بمكافأة موظفى تنظيم النسل إذا ماحققوا المستهدف فى خطة تنظيم النسل أو تجاوزوه، وذلك بربط الترقى الوظيفى لهم بما يحققوه، ومنحهم مكافآت مالية، ممايدفعهم إلى ارتكاب تلك التجاوزات لتحقيق المستهدف فى الخطة السكانية فى مناطقهم.

وبالرغم من أن سياسة تحديد النسل الرسمية تسمح للمتزوجين من الأقليات
بإنجاب طفلين فى المدن وثلاثة أطفال فى القرى، فإن السلطات تمارس ضغوطا متزايدة على الأسر فى تركستان الشرقية لتخفيض العدد إلى طفل واحد، كما أنه ينبغى تنظيم الحمل فى إطار حصة المواليد المخصصة لكل منطقة خلال مدة معينة، وقد يرفض التصريح للزوجين بالحمل لعدد من السنوات حتى تسمح الخطة، والتى تنفذ من خلال مبدأ الثواب والعقاب، وتتعرض مصادر رزق الأسرة المخالفة للخطر، كما أن عمليات الإجهاض القسرى والتعقيم من الأمور المألوفة فى تركستان الشرقية، وربما أجريت عمليات الإجهاض لنساء بلغن الشهر التاسع من الحمل ودون مراعاة للظروف الصحية للمرأة الحامل وبإهمال من الأطباء، مما يترتب عليه إصابة السيدة بأضرار صحية مستديمة أو وفاتها، ويتم ذلك بعد انتزاع النساء من منازلهن على يد أشخاص لهم صفة رسمية مثل موظفى تحديد النسل لإجراء تلك العلميات فى عنف واضح ضد المرأة التركستانية الشرقية.

ويؤكد تقرير الخارجية الأمريكية لعام 2002 الصادر فى 31/3/2003 على أن الحكومة الصينية تضغط على الأقليات لجعل عدد المواليد لديهم مثل نظرائهم من الهان، كما يقر بوجود العنف ضد المرأة الذى يتضمن سياسة تحديد النسل والإجهاض الإجبارى والتعقيم الإجبارى. وتتركز تلك الانتهاكات فى تركستان الشرقية.

ويفهم من سياسة الحكومة الصينية فى مسألة تحديد النسل والتشدد فى تطبيقها فى تركستان الشرقية مع السماح لأسر الهان فى الريف بالتجاوز عن عدد المواليد المقرر لهم من طفل إلى طفلين، وبالإضافة إلى ذلك علميات التهجير لأعداد كبيرة من الصينيين إلى تركستان الشرقية، أن لدى الإدارة الصينية رغبة فى تقليل أعداد السكان المسلمين الأتراك فى مقابل الصينيين؛ حيث تؤدى عملية تحديد النسل للتركستانيين وتعرضهم للاضطهاد ولجوء الكثير منهم للهجرة من تركستان الشرقية، بالإضافة للأوضاع المعيشية والبيئية السيئة فى بعض المناطق- مثل منطقة لوب نور مركز التجارب النووية فى الصين- وأثر ذلك فى انتشار الأمراض الخطيرة ووفاة الكثيرين من جراء تدهور المستوى الصحى، إلى انخفاض نسبة التركستانيين المسلمين فى مقابل الصينيين مما يؤدى إلى الإسراع بعملية تصيين تركستان الشرقية وإضعاف هويتها الحضارية والثقافية أو القضاء عليها.

وتعد عملية تحديد النسل والممارسات القاسية التى تقوم السلطات الصينية أثناء تطبيق تلك العملية التى تتناقض مع الهوية الدينية وثقافة المجتمع التركستانى، وأيضا واقع بلادهم شاسعة المساحة بالغة الثراء أحد أهم الأسباب المثيرة لإستياء الشعب التركستانى وتحفيزه للثورة والاحتجاج ضد الحكم والوجود الصينى فى تركستان الشرقية.

د/عزالدين الوردانى

باحث متخصص فى شئون تركستان الشرقية

مواضع ذات صلة