ثروة شينغيانغ تعمق النزاع بين الأويغور والهان
الرؤية الاقتصادية – دبي
يعتبر إقليم شينغيانغ الصيني من أغنى المقاطعات الصينية من حيث الموارد الطبيعية بشكل عام، والنفطية بشكل خاص، غير أن الإقليم المكتنز بالخيرات يعاني من تجدد أعمال عنف أسدل عليها ستار العنصرية بين أكبر الإثنيات العرقية في المدينة.
ويعد من الأسباب التي أدت لاندلاع الأحداث الأخيرة في شينغيانغ، مقتل عاملين في أحد مصانع المقاطعة، الأمر الذي يشير بقوة إلى الأبعاد الاقتصادية للأزمة، فالصراع العرقي لا يمثل سوى وجه، يخفي وراءه مصالح اقتصادية متزايدة لقومية «الهان»، التي تشكل العرقية الغالبة في الصين والمدعومة من الحكومة المركزية في بكين، على حساب قومية «الأويغور» المسلمة ذات الأغلبية في المقاطعة.
وكان إقليم شينغيانغ الذي انتشر فيه الإسلام في القرن الثامن مع قيام مملكة الأتراك الأويغور في غانسو الغربية (الإقليم المجاور بحسب التقسيمات الإدارية الحالية) مصهراً للحضارات
والشعوب بما فيها «الهان»، فعلى مدى تلك العقود عمدت الحكومة الصينية إلى تهجير أبنائه بدواعي نقص العمالة في مناطق أخرى، وهو ما خفض نسبتها من أكثر من 92 بالمئة إلى نحو 50 بالمئة حالياً من سكان الإقليم.
وبعد قيام جمهورية تركستان الشرقية لفترة وجيزة، حررها الصينيون الشيوعيون «سلمياً» لدى وصولهم إلى السلطة في بكين في العام 1949، ومن 6 بالمئة في حينها ارتفعت نسبة الهان اليوم إلى 40 بالمئة وباتت متساوية مع نسبة الأويغور الذين باتوا يشكلون أقلية على أراضيهم.
لقد استفاد إقليم شينغيانغ الغني بالموارد الطبيعية من جهود بكين الاستثمارية، غير أن الأويغور أولى أقلياته الأتنية يعتبرون أنهم استبعدوا من هذه التنمية.
ومنذ ثمانينات القرن الماضي شهد إقليم شينغيانغ وتيرة تنموية متسارعة تقوم على «اقتصاد المدن والخدمات والطاقة» في حين تبقى أتنية الأويغور المسلمة الناطقة بالتركية منزوية في الأرياف تعتمد على الزراعة.
وكان الفارق في الإيرادات السنوية بين سكان المدن والقرى وصل في العام 2007 إلى ثلاثة أضعاف، أي ما يعادل 10 آلاف و300 يوان (1393 دولاراً) لكل فرد يعيش في المدن أي بمعدل وطني يقدر بنحو 13 ألفاً و800 يوان في مقابل أقل من ثلاثة آلاف و200 يوان لكل فرد يعيش في القرى بمعدل وطني يقدر بأربعة آلاف و140 يوان، إلا أن وتيرة الاستثمارات العامة تسارعت منذ أن أطلقت بكين في 1999-2000 حملة «تنمية الغرب» الذي كان مهمشاً في ظل النمو الصيني الكبير.
وقال كاو زيغانغ مدير مركز جامعي للأبحاث لتنمية شينغيانغ الصناعية، إن الحكومة تستثمر سنوياً 200 مليار يوان (28 مليار دولار)، وكان هناك نحو 100 مجموعة كبرى صينية أو دولية ناشطة في شينغيانغ في حين أن استثمارات الشركات الخاصة تزداد بانتظام».
غير أن 70 بالمئة من ثروات المنطقة تأتي من الصناعات النفطية والبتروكيماوية التي تسيطر عليها مؤسسات الدولة حسب ما قالت رين شيانفانغ المحللة في «أي اتش اس غلوبال انسايت».
وأصبح إقليم شينغيانغ العام الماضي المنطقة الثانية المنتجة للنفط «27.4 مليون طن» بعد هيلوغنجيانغ شمال شرق «40.2 مليون طن»، ومتقدماً على شاندونغ بعد أن بقي لعقد في المرتبة الثالثة.
ويزيد موقع إقليم شينغيانغ الجغرافي من أهميته الاستراتيجية مساحته الكبيرة، والمرتبطة بحدود ست دول، إضافة إلى خطوط الأنابيب التي تنقل الغاز والنفط من آسيا الوسطى إلى المناطق الصينية الصناعية والتي تجبرها طبيعة المنطقة على المرور عبر أراضي الإقليم.
ويتميز إقليم شينغيانغ بموارد مهمة من الفحم الحجري، ومساحات شاسعة من الأراضي الزراعية المستصلحة التي يعمل فيها أكثر من مليونين و200 ألف شخص معظمهم من أتنية الهان.
وتسيطر الحكومة المركزية على مزارع الإقليم بمعدل ثلاثة ملايين هكتار من الأراضي التي تستخدم معظمها لزراعة القطن، فيما يسيطر الأويغور على مليوني هكتار، حسب التقديرات الرسمية.
ويشعر الأويغور بالظلم لأنه يتم الاستعانة بالمهاجرين الهان حتى في الوظائف الوضيعة التي يمكنهم القيام بها.
وقال يي شيارونغ من أكاديمية العلوم الاجتماعية «ليس هناك تمييز، لكن مستوى اللغة والتعليم لدى الأويغور يمنعهم من التقدم على المستوى الاجتماعي».
وقال أحد السكان الأويغور ويدعى عبد الله لوكالة الأنباء الفرنسية الـ(أ ف ب)، إن الصينيين الهان لا يحبوننا ويحتقروننا، ونتعرض على أيديهم للتمييز».
وأضاف الشاب البالغ الـ28 من العمر والمقيم في أورومتشي عاصمة الإقليم التي هزته اضطرابات دامية الأحد الماضي «معظم المؤسسات الصينية لا تريد توظيف الأويغور، وعندما توظفنا نتعرض لسوء المعاملة».
وقال عبد الله الذي يعمل في مصنع حكومي للحديد «أكسب 1100 يوان شهرياً (167 دولاراً) لكن راتب أي موظف من الهان يتراوح ما بين ثلاثة إلى أربعة آلاف يوان للوظيفة نفسها».
وفي تقرير نشر مؤخراً بعنوان «الهوية الأتنية الأويغورية مهددة» دانت «منظمة العفو الدولية»
عدم تحرك السلطات لوقف التمييز، وفقا للـ(أ ف ب).
وقالت المنظمة «الدولة الصينية لا تحمي الأويغور من التمييز لدى توظيفهم ما يؤدي إلى معدلات بطالة مرتفعة، خصوصاً لدى الأويغور في شينغيانغ، وإلى تنامي مشاعر الغضب».
وأضافت «حتى حملة الشهادات الجامعية الذين يتكلمون الصينية بطلاقة يجدون صعوبة في
الحصول على وظيفة».
ويشدد زانغ شويشينغ (52 سنة) المقيم في شينغيانغ وهو من الهان على المشكلات اللغوية، وقال «التواصل صعب وهذا يؤدي إلى سوء فهم، والكثير من الأويغور يعلمون أن الأفق مسدود إذا لم يتكلموا اللغة الصينية، في الوقت نفسه من المفيد أن يتعلم الصينيون (الهان) هنا لغة
الأويغور».
وأضاف «أحب هذا الإقليم وكذلك الأويغور، إنني واثق من أننا سنتجاوز هذه المحنة».
ويتخذ عدد من الأويغور من الجيل الجديد المثقف موقفاً مماثلاً.
وتقول الحكومة إن الاضطرابات أوقعت 184 قتيلاً، لكن المعارضة الأويغورية المقيمة في المنفى «ربيعة قدير» تؤكد أن آلاف الأشخاص من الأويغور قتلوا.
وتؤكد بكين أن الاضطرابات وقعت بتحريض من الخارج، خصوصاً لضرب «التعايش الأتني».
وبحسب منظمة العفو تمارس السلطات رقابة مشددة على المساجد ورجال الدين، وقد يخسر الموظفون عملهم إذا قاموا بأي نشاط ديني، وتخشى الصين من تفاقم ردود الفعل لتشمل مقاطعة عربية وإسلامية للبضائع الصينية.
يشار إلى أن حجم تجارة الشركات في العالم العربي مع الصين بلغت العام الماضي نحو 130 مليار دولار.






