свадьба в доминикане
أهم الأخبار / إسرائيل والحليف الإستراتيجي الجديد.. الصين‏ (دراسة)

إسرائيل والحليف الإستراتيجي الجديد.. الصين‏ (دراسة)

Print Friendly

إسرائيل والحليف الإستراتيجي الجديد.. الصين‏ (دراسة)

محمود صبري

خلص الباحثون الإسرائيليون الإستراتيجيون في مؤتمر هرتسيليا التاسع، والذي عقد في فبراير الماضي 2009، إلى توصيات محددة تختص بتفعيل العلاقات الإسرائيلية مع الصين، التي وصفوها بأنها يجب أن تكون “الحليف الإستراتيجي الجديد”، وأكدوا أن على إسرائيل أن تدفع قدما في هذا الطريق بناءً على قراءة التغيرات المقبلة على الساحة العالمية.

هذه التوصيات تعيد للأذهان حقيقة أنه حتى قبل أن تنشأ إسرائيل على أرض فلسطين في عام 1948، كان اليهود يبحثون عن الحليف الأقوى الذي يضمن مصالحهم، وانتهجت الدولة العبرية سياسة الاحتماء في الدول الكبرى التي تتمتع بالسطوة والنفوذ خلال فترة زمنية معينة حتى تفقد تلك الدولة قوتها، فتغير إسرائيل تحالفاتها لترتبط بحصان أسود جديد أو دولة أخرى يصعد نجمها وتتزايد قوتها بالقدر الكافي للدفع بمصالح إسرائيل إلى الأمام وضمان التفوق على جيرانها في الشرق الأوسط.

وتمتلك إسرائيل سجلا حافلا من التحالفات يؤكد نظرية الولاء للأقوى التي بدأت منذ عهد بريطانيا العظمى، حيث ظفروا بوعد بلفور في 2 نوفمبر 1917، وهو الحدث الذي أقر لأول مرة ما يسمى بحق اليهود في إقامة دولة على أرض فلسطين، ولم يهدأ الحليف البريطاني حتى تم الإعلان عن قيام هذه الدولة في 15 مايو 1948.

وفي ظل تعقد الأوضاع بمنطقة الشرق الأوسط وعدم استقرار الدولة العبرية بالقدر الكافي، عمد الإسرائيليون إلى استقطاب دولة عظمى أخرى لجانبهم، هي فرنسا، التي انضمت لبريطانيا كما وضح خلال العدوان الثلاثي ضد مصر في عام 1956، وهو العدوان الذي أكد لإسرائيل أن الحليفين البريطاني والفرنسي غير قادرين على ضمان مصالحها، وعندئذ جاء الدور على القوة العظمى الجديدة “الحصرية فيما بعد”، فتوثق التحالف الإسرائيلي – الأمريكي الذي جنت إسرائيل ثماره الأولى في حرب يونيو 1967.

منذ ذلك الحين أصبحت أمريكا، ولا زالت، تمثل الدعم والسلاح والرعاية والاقتصاد بالنسبة لإسرائيل، لكن المؤشرات الآن باتت تشير إلى تراجع العملاق الأمريكي، الذي أصبح غارقاً في مشاكله الداخلية وانهياره الاقتصادي، في ظل عالم لا تستقر فيه موازين القوى.. عالم تشير فيه كل التوقعات إلى أن القوة الأكبر في الغد ستكون ذات ملامح آسيوية.

وهكذا، كان من الطبيعي لإستراتيجية الولاء للأقوى الإسرائيلية أن تتجه آسيويا بحثا عن تنين صيني أو فيل هندي أو حتى نمر ياباني أو كوري يكون أكثر قدرة على ضمان المصالح الإسرائيلية عندما يفقد الحليف الأمريكي تفوقه.

في هذا السياق يتناول العرض التالي طبيعة العلاقات الإسرائيلية – الصينية المتعددة الأبعاد، والتي من المرجح معها أن تنتقل الصين إلى درجة الحليف الأقوى لإسرائيل في المستقبل، وهو أمر لا يخلو من البحث المستمر داخل محافل الفكر والسياسة والعسكرية الإسرائيلية.

العلاقات الدبلوماسية

كانت إسرائيل أولى دول منطقة الشرق الأوسط، وسابع دولة في العالم، اعترفت بالصين الشعبية، في وقت لم تعترف فيه الدول العربية بالدول الشيوعية الجديدة، ومع ذلك اتسمت العلاقات الدبلوماسية بين الصين وإسرائيل لفترة طويلة بالبطء الشديد والتوتر في بعض الأحيان، وشهدت صعودا وهبوطا في كثير من الأحيان بسبب الموقف الصيني من الصراع العربي – الإسرائيلي.

ففي 9 يناير 1950 بعث وزير الخارجية الإسرائيلي، موشيه شاريت، لرئيس وزراء الصين، زو أنلاي، برقية تهنئة أعلن فيها أن حكومة إسرائيل تعترف بالصين، دون أن تتضمن البرقية عرضا بتبادل العلاقات الدبلوماسية خشية إثارة الحليف الأمريكي. وكانت الصين قد أعلنت في عام 1949، أي قبل صعود الشيوعيين لسدة الحكم، أنها ستقيم علاقات دبلوماسية مع أي دولة تقطع علاقاتها مع تايوان، وأنها ستعتبر تلك الدولة صديقة، وبناء عليه، لم تعترف إسرائيل بتايوان ولم تقم علاقات معها، واعترفت في المقابل بالصين الشعبية وأيدت انضمامها للأمم المتحدة.

وحاولت إسرائيل في ذات الوقت إرضاء الولايات المتحدة التي أوضحت لإسرائيل أن إقامة علاقات دبلوماسية مع الصين ليس عملاً غير لائق فحسب، وإنما سيعتبر بمثابة مساعدة لدولة معادية؛ فأيدت إسرائيل قرار الأمم المتحدة لسنة 1950 الذي يدين الاعتداء الصيني على كوريا الشمالية وأيدت أيضا فرض مقاطعة سلاح على الصين.

لكن إسرائيل ما لبثت أن وجدت نفسها بين نارين، فمن ناحية سيؤدي فقدان الصين إلى استمالتها للجانب العربي، ومن ناحية أخرى سيثير إقامة علاقات معها غضب الأمريكيين، وقررت إسرائيل إمساك العصا من المنتصف، وقررت في عام 1954 إيفاد بعثة تجارية للصين لمناقشة موضوعات تجارية مشتركة، ووصل الوفد الإسرائيلي للصين وتم استقباله بشكل جيد، وأعرب الصينيون عن اهتمامهم بإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، لكن الأخيرة حافظت على ضبط النفس.

ردا على ذلك، وافقت الصين على عدم دعوة إسرائيل لمؤتمر باندونج (النواة الأولى لنشأة حركة عدم الانحياز)، والذي عقد في إندونيسيا في 18 أبريل 1955 بحضور وفود من 29 دولة إفريقية وآسيوية، وشارك فيه الرئيس المصري جمال عبد الناصر. وقد تبنى المؤتمر مجموعة من القرارات لصالح القضايا العربية، وأعربت فيه الصين عن تضامنها مع الفلسطينيين. وارتكز الموقف الصيني حيال الصراع العربي – الإسرائيلي في حينه على أن استمرار الصراع يرجع إلى تدخل القوى العظمى الأجنبية، ومن ثم تتخذ بكين موقفا محايدا حيال هذا الصراع.

تبنى الصينيون منذ مؤتمر باندونج توجها أكثر عدائية نحو إسرائيل (من 1955 فصاعدا)، حيث وطدت الصين علاقاتها مع الدول العربية ووقفت إلى جوار القضية الفلسطينية وتزايد نقدها لإسرائيل، حتى تبنى الصينيون الموقف العربي تماما في عام 1964 حينما أقاموا علاقات مع منظمة التحرير الفلسطينية. ويعود ذلك إلى احتدام الصراع بين الصين والاتحاد السوفيتي في نهاية الخمسينيات إذ وجدت الصين نفسها في مواجهة ضد القطبين العالميين الأكبر، ودفعت بجهودها لدول العالم الثالث كذخيرة لاستقطاب حلفاء ضد الدول الغربية، وأيدت ثورات التحرير القومية، انطلاقاً من أن ذلك سيقود على المدى الأبعد إلى صعود نظم موالية للصين.

واعتبارا من عام 1964 قدم الصينيون مساعدات مالية وعسكرية وتوصيات ثورية للفلسطينيين، حيث اعتبروا إسرائيل ذراعا إمبرياليا للغرب في الشرق الأوسط، وهكذا أصبحت دائرة الصراع تجمع بين العرب والصين من ناحية، وإسرائيل والولايات المتحدة من ناحية أخرى.

في تلك الأثناء لم يكن للصين علاقات خارجية في المنطقة إلا مع مصر، ووجدت أن عدوها الأساسي هو الاتحاد السوفيتي وسعت للتقارب مع الولايات المتحدة. وفي عام 1971 انضمت الصين للأمم المتحدة، وبدأت في بناء شبكة علاقات مع الدول الغربية.

وللمرة الأولى تلتقي المصالح الإسرائيلية- الصينية في السبعينيات؛ فكلاهما له مصلحة في التقارب مع الولايات المتحدة وكبح جماح الاتحاد السوفيتي، الذي رأت الصين أنه يشكل خطرا على العالم، فيما أرادت إسرائيل التخلص منه لأنه يؤيد ويساعد الدول العربية.

ومن هنا اتخذت إسرائيل العديد من الخطوات لتعزيز علاقاتها مع الصين:

1 – صوتت لصالح قبول الصين بالأمم المتحدة.

2 – فتحت قنصلية اقتصادية في هونج كونج.

3 – توجهت لزعماء أجانب في الصين لطرح مسألة العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والصين.

وبعد قبول الصين كعضو في الأمم المتحدة، أرسل السفير الإسرائيلي، أبا إيبان، برقية تهنئة للصين، لكن الأخيرة رفضت البرقية استنادا للموقف الصيني الذي مفاده أنه مادام لم يتم التوصل إلى حل للمشكلة الفلسطينية، فلن تقيم الصين علاقات مع إسرائيل.

واستمرت الصين في مواقفها المؤيدة للعرب بعد حرب 1973، وصوتت لصالح تعيين مراقب لمنظمة التحرير الفلسطينية بالأمم المتحدة، وكذا صوتت في عام 1975 لقرار الجمعية العامة بمساواة الحركة الصهيونية بالعنصرية، مما جعل بإسرائيل تغلق القنصلية في هونج كونج.

ولم تغير الصين مواقفها حيال إسرائيل بعد رحيل ماوتسي تونج في عام 1976، ووضعت شروطا لإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، كان أهمها: (ضرورة الانسحاب الإسرائيلي من المناطق المحتلة وإعادة حقوق الفلسطينيين، والتراجع عن السياسة العدوانية التوسعية، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة).

مع مطلع الثمانينيات كانت التغيرات تعصف بالمنطقة وبشكل العلاقات الخارجية الصينية أيضا، فبدأ الحديث عن التسوية السلمية للصراع العربي – الإسرائيلي، في وقت كان الإصلاح الاقتصادي في الصين يزيد من ثقة قادتها على تطبيق سياسة خارجية أكثر انفتاحا، كما بدأ يتلاشى الخطر السوفيتي مع غرقه في المستنقع الأفغاني واتخاذ حكومة رونالد ريجان خطوات متعددة لمواجهة الاتحاد السوفيتي (أطلق عليه ريجان مملكة الشرور) أدت إلى إضعافه كثيرا.

ورأى الصينيون أنهم إن أرادوا المشاركة في العملية السلمية، فعليهم إقامة علاقات مع إسرائيل، ولذا قبلوا بطلب تل أبيب إعادة فتح القنصلية في هونج كونج في عام 1983، وتم افتتاحها فعليا في عام 1958، كخطوة نحو فتح الطريق أمام توطيد العلاقات الدبلوماسية.

وبناء عليه تسارعت وتيرة التقدم في العلاقات بين الدولتين، وبات مسموحا لحاملي جواز السفر الإسرائيلي الدخول إلى الصين، إلى جانب حضور العلماء الإسرائيليين المؤتمرات في الصين والمكالمات الرسمية على مستوى القادة والزعماء، وفتحت الصين قسما للغة العبرية بجامعة بكين، وبدأت اللقاءات بين ممثلي الأمم المتحدة الإسرائيليين ونظرائهم الصينيين.

وبهذا بدأت العلاقات الدبلوماسية غير الرسمية، ونسيت الصين الشروط السابقة لإقامة علاقات مع إسرائيل، ورفضت مشروعا عربيا لاستبعاد إسرائيل من الأمم المتحدة. وفي عام 1987 تم التوقيع على اتفاق تبادل معلومات مع وكالة الأنباء الصينية “شينخوا”، وأقيمت جمعية اقتصادية لتنمية التجارة بين إسرائيل والصين. وفي عام 1988 عقد لقاء آخر غير رسمي بين وزيري خارجية إسرائيل والصين، ووافقت الصين على فتح مكتب في بكين للدراسات الأكاديمية وتبادل المعلومات. وبدورها، وافقت إسرائيل على أن تقوم الصين بفتح مكتب سياحي صيني في تل أبيب لمساعدة السياح الإسرائيليين الذين يأتون إلى الصين، وكلاهما عمل كمكتب اتصال غير رسمي بين الدولتين.

ولأن إسرائيل تعمدت تسريب معلومات حول تلك العلاقات، فقد ثار غضب الصينيين الذين ما كان بوسعهم إلا تقليل حجم المعاملات خشية انقلاب الحليف العربي، حتى نشبت مظاهرات الطلاب في ميدان “تيان إن مين” في يونيو 1989، وقام الجيش الصيني بقمع المظاهرات بوحشية، وفي أعقاب ذلك فُرضت على الصين عقوبات مشددة، بما في ذلك العقوبات العسكرية؛ فانتهزت إسرائيل الفرصة ولم تنضم لفرقة الإدانة، واعتبرتها فرصة سانحة للاتجار في السلاح مع الصين.

وكان التحول الأكبر في عام 1989 حيث شهد تطورات كبيرة في العلاقات بين الصين وإسرائيل، وبدأ مكتب السياحة الصيني في العمل بتل أبيب، كما أعلن الرئيس الصيني خلال زيارته للمنطقة أن الصين تعترف بحق إسرائيل في الوجود، واعترف بوجود علاقات غير رسمية مع إسرائيل. وفي العام ذاته، أقامت السعودية علاقات دبلوماسية مع الصين، لتصبح إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي ليس لديها علاقات دبلوماسية رسمية مع الصين.

في عام 1991 قام رؤوفين ميرحاف رئيس القنصلية الإسرائيلية في هونج كونج بزيارة إلى بكين، وتمت استضافته بوزارة الخارجية الصينية، وبعد شهور من ذلك قام وزير الخارجية في ذاك الوقت بنيامين نتنياهو بزيارة الصين، وأعلن عن بدء العلاقات الدبلوماسية مع الصين.

وبعد انعقاد مؤتمر مدريد للسلام، وتحديدا في عام 1992، أقامت الدولتان علاقات دبلوماسية كاملة، وجرت الزيارات الدبلوماسية على المستويات الرفيعة، وبلغت أقصاها بزيارة الرئيس الصيني لإسرائيل في عام 2000، كما وقعت الدولتان العديد من اتفاقيات الشراكة.

وكان من أسباب إقامة الصين لعلاقات طبيعية مع إسرائيل التطورات في الشرق الأوسط وتغير موقف منظمة التحرير الفلسطينية من إسرائيل. كما أنه بعد مؤتمر مدريد، وانتهاء الحرب الباردة، بدأت الكثير من دول العالم الثالث إقامة علاقات مع إسرائيل.

ويمكن القول إنه رغم الإنجاز الدبلوماسي الذي حققته إسرائيل في العلاقات مع الصين، فإن وتيرة التقدم نحو الأهداف الإسرائيلية لا زالت محدودة وغير مرضية بالنسبة للإسرائيليين، حيث لم تتوقف الصين عن بيع السلاح للدول العربية وإيران، ورغم وعود بكين لتل أبيب، فإنها استمرت في تصدير الصواريخ وتكنولوجيا الصواريخ لدول الشرق الأوسط، بل كان لها دور في تقدم برنامج إيران النووي في التسعينيات، علاوة على ذلك، فالصين وإن خففت من حدة تصريحاتها ضد إسرائيل فيما يتعلق بالصراع العربي – الإسرائيلي، لكنها لم تغير تماما مواقفها المؤيدة للعرب، مع ملاحظة أن بكين لم تستطع بعد التدخل في مسيرة التسوية السلمية.

العلاقات العسكرية

الموضوع الثاني في شبكة العلاقات الإسرائيلية – الصينية هو الصادرات العسكرية الإسرائيلية للصين. وقد بدأت تلك العلاقات بشبكة الاتصالات التي أقامها رجل الأعمال الإسرائيلي شاؤول أيزنبيرج مع القيادة الصينية في عقد السبعينيات من القرن الماضي ونجاحه في إقناع الصينيين بشراء تكنولوجيا عسكرية من إسرائيل؛ حيث نجح أيزنبيرج في إقناع الصين -التي كانت في خضم بناء البنية التحتية- باستيراد تكنولوجيا متقدمة في المجالين المدني والعسكري من إسرائيل.

وفي عام 1979 استطاع أيزنبيرج عقد لقاء سري بين قادة شركة الصناعات العسكرية الإسرائيلية ونظرائهم في الصين، ومهد بذلك الطريق أمام عدة صفقات سلاح كبرى، الأمر الذي كان له الفضل في تكوين علاقات جيدة بين الدولتين حتى اليوم.

وشهد عقد التسعينيات تغيرا في أنماط التجارة العسكرية بين إسرائيل والصين؛ ففي أعقاب انهيار الكتلة السوفيتية، والمذبحة التي ارتكبها الجيش الصين في ميدان “تيان آن مين” (1989)، فرضت الولايات المتحدة مقاطعة عسكرية على الصين. وفي المقابل جددت الصين وروسيا علاقاتهما، وأصبحت روسيا المورد الرئيس للسلاح للصين، حتى اندلع التصعيد العسكري بين الصين والولايات المتحدة بسبب مشكلة تايوان (1995-1996)، وكانت النتيجة تراجع طلب الصينيين للمنتجات الإسرائيلية وتصعيد معارضة الولايات المتحدة للتصدير العسكري من إسرائيل للصين.

في عام 1999، كشفت الصحافة الإسرائيلية النقاب عن معلومات تتعلق بصفقة الفالكون، وبحسب الصفقة كانت إسرائيل ستزود الصين بأربع طائرات فالكون، ورأى الأمريكيون أن حصول الصين على طائرة الفالكون سيخل بالتوازن العسكري على حدود تايوان وسيضر بأداء الجيش الأمريكي في المنطقة؛ الأمر الذي دفع الولايات المتحدة لمعارضة الصفقة بشدة, واعتقدت إسرائيل أنها ستستطيع الصمود أمام ضغوط الولايات المتحدة ووعدت الصين بإتمام الصفقة، لكنها أعلنت في النهاية إلغاءها عام 2000.

وفي عام 2003 قررت إسرائيل تعليق عقود تصدير السلاح للصين والتعهد للولايات المتحدة بأنها لن تبيع سلاحا يشكل خطرا على الولايات المتحدة، لكن الاتفاق لم يشمل حظر بيع الطائرات الصغيرة بدون طيار من طراز RP، الأمر الذي تسبب في أزمة طاحنة مع الولايات المتحدة في نهاية 2004.

وكانت إسرائيل قد باعت للصين في عام 1999 –بعلم الولايات المتحدة- 100 طائرة صغيرة بدون طيار من طراز هيربي، والتزمت إسرائيل بتوفير قطع غيار لها وصيانة لمدة عشر سنوات؛ مما أثار غضب الأمريكيين، خاصة أن الصينيين طلبوا قطع غيار للطائرات، ورأت الولايات المتحدة أن الهدف من ذلك هو تطوير الطائرات وليس مجرد الصيانة فقط.

في أعقاب إلغاء الصفقة، برزت التوقعات الإسرائيلية بتردي العلاقات مع الصين، ورجح الخبراء الإٍسرائيليون أن الصين ستوقف أنشطة الشركات الإسرائيلية على أراضيها، وستجمد فرص التجارة العسكرية المستقبلية مع إسرائيل، وستواصل نشر السلاح في الشرق الأوسط، لكن الواقع كان مغايرا، حيث واصلت الصين التعاون مع إسرائيل في المجالات التي وجدت أنها مفيدة بالنسبة لها. وعلى سبيل المثال، طلبت الصين من إسرائيل إصلاح الطائرة الصغيرة بدون طيار “هيربي”، والتي كانت قد اشترتها منها قبل سنوات.

من جانبها، فرضت الولايات المتحدة سلسلة من العقوبات على إسرائيل، والتي وافقت عليها المستويات العليا في الإدارة الأمريكية، وفي ذلك مستشار الأمن القومي للرئيس السابق جورج بوش (الابن)، الذي صدق على عقوبات ضمنية ضد تل أبيب شملت إحباط صفقات عسكرية ومشروعات مشتركة وتبادل معلومات مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بأنظمة الأسلحة الجديدة، كما قاطعت الولايات المتحدة مدير عام وزارة الدفاع الإسرائيلية، وفرضت مقاطعة على سلاح الطيران الإسرائيلي فيما يتعلق بتطوير الطائرة JSF، وأوقفت التعاون في إنتاج منظومة المحاكاة الجديدة للجيش الإسرائيلي.

وطالبت الولايات المتحدة إسرائيل بالآتي:ـ

• على إسرائيل نقل معلومات للولايات المتحدة بخصوص 60 صفقة أجرتها مع الصين حتى تستطيع تقدير الأضرار التي لحقت بها كشرط لرفع العقوبات.

• فرض رقابة على بيع الأسلحة لدول العالم (سواء على مستوى الشركات الخاصة مثل ألبيت، أو الجيش الإسرائيلي).

لم تستطع إسرائيل تقدير الخطورة التي توليها الولايات المتحدة لتسلح الصين، وكادت تفقد تعاطف أكبر الداعمين لها، مما اضطرها في النهاية للرضوخ والإذعان للمطالب الأمريكية. وفي عام 2005 اضطرت إسرائيل لفرض رقابة مشددة على الصادرات العسكرية وحظر التجارة العسكرية مع الصين.

ورغم ذلك، لم تتأثر العلاقات التجارية بين الدولتين، حيث صرحت وزارة الخارجية الصينية أن العلاقات لن تتأثر بسبب طرف ثالت بل ستزداد قوة. ويعود هذا الرد الصيني إلى أن الصفقة كانت صغيرة، فضلاً عن قيام الصين بتطوير الطائرات بدون طيار بنفسها، كما أنها أدركت أن إسرائيل ليس لديها خيار آخر.

العلاقات الاقتصادية

منذ العام 1989 سعت إسرائيل لإقامة علاقات اقتصادية مع الصين، وجاء ذلك في أعقاب سياسة الانفتاح الصيني على العالم، حيث بادرت حكومة إسرائيل في هذا العام بعرض المساعدة في مجالات تنمية القرى والري وإقامة الصوبات الزراعية. وفي تلك الفترة، اشترى الصينيون معدات زراعية من إسرائيل وبعثت إسرائيل عددا من الخبراء الزراعيين للصين، نظرا لأن الأخيرة كانت في حاجة ماسة للتنمية الزراعية لتغطية احتياجات التعداد السكاني المتضخم فيها.

بيد أن العلاقات في مجال الصناعة كانت محدودة في تلك الفترة، ولم تعمل في السوق الصينية إلا بضع شركات إسرائيلية فقط، وهذا نظرا لضعف الإمكانات الإسرائيلية في هذا المجال مقارنة بالصين.

ومع إقامة علاقات رسمية دبلوماسية بين الدولتين في عام 1992، وقع الطرفان مجموعة من الاتفاقيات التجارية الثنائية، من أبرزها:ـ

• اتفاق الدولة الأولى بالرعاية (أكتوبر 1992): أعطت الصين لإسرائيل في هذا الاتفاق مكانة الدولة الأولى بالرعاية، بحيث تُحِصل من إسرائيل أقل نسب جمارك ممكنة مقارنة بجميع الدول الأخرى التي وقعت معها على اتفاقات مماثلة.

• اتفاق التجارة (أكتوبر 1992): وهو اتفاق الاعتراف المتبادل بالمواصفات والجودة بين مركز مراقبة المواصفات الإسرائيلي ومركزي مواصفات صينيين، هما  SACI (The State Administration of Import and Commodity Inspection Export) و CSBTS (Technical Supervision The Chinese State Bureau of).

• اتفاقية الملاحة البحرية (مارس 1994): يتيح هذا الاتفاق لشركتي الملاحة في الدولتين (شركتا الملاحة الإسرائيلية “تسيم”، والصينية COSCO) العمل في مجال نظيرتها، وفتح مكاتب، وإدارة أعمال الملاحة دون الحاجة لإشراك جهة محلية. وفي عام 2001 حصلت شركة تسيم على موافقة لتوفير خدمات لوجيستية.

• اتفاق الملاحة الجوية (مارس 1994): في إطار هذا الاتفاق يعمل الخط المنتظم لشركة العال الإسرائيلية بين تل أبيب وبيونج يانج.

• اتفاق منع ازدواج الضريبة (أبريل 1995): يمنع هذا الاتفاق دفع ضريبة مزدوجة للأفراد والشركات على أرباحهم في الصين وإسرائيل.

• اتفاقية تشجيع وتأمين الاستثمارات (أبريل 1995): يهدف الاتفاق لحماية استثمارات الشركات التجارية بين الدولتين، وتسوية النزاعات، وتوفير العملة الصعبة.

• اتفاقية التعاون المالي “البروتوكول المالي” (أبريل 1995): الهدف من تلك الاتفاقية هو الدفع بعجلة التجارة بين الدولتين عن طريق السماح لشركات صينية بالحصول على قروض طويلة الأجل عند عقد صفقات مع مصدرين إسرائيليين في مجالات رؤوس الأموال وإقامة البنى التحتية. ويمنح البروتوكول شركات إسرائيلية إمكانية المشاركة في مشروعات وصفقات مع هيئات وشركات حكومية تريد التصدير للصين. وينص اتفاق الإطار على حصول الشركة الصينية على اعتماد بنكي لـ 10 سنوات بفائدة مدعومة بنسبة 2.5% مع إمكانية التمويل لخمس سنوات.

• اتفاقية التعاون في مجال البحث والتنمية الصناعية (2000): وهي الاتفاقية التي أتاحت دعم الدولتين لأي مشروع تشارك فيه شركتان إحداهما صينية والأخرى إسرائيلية، بحيث تقيم الشركتان تعاونا صناعيا بدعم من الهيئات المعنية: في إسرائيل مكتب كبار العلماء بوزارة الصناعة والتجارة والتشغيل، وفي الصين وزارة التجارة الخارجية والتعاون الاقتصادي.

• اتفاق التعاون المالي (نوفمبر 2004): طرأ على الاتفاق الأول بعض التغييرات منها: زيادة حجم التعاملات في البروتوكول الأول، وإتاحة إمكانية تمويل جديدة مدتها 7 سنوات بفائدة 3.2%.

• اتفاقية السياحة ADS (أكتوبر 2007): تمثل تلك الاتفاقية اعترافا صينيا بإسرائيل كهدف سياحي معتمد للسياح الصينيين.

• اتفاقية التعاون في مجال البحث والتنمية الصناعية مع مقاطعة جيانجسو (سبتمبر 2008): الهدف من هذه الاتفاقية هو السماح للشركات الإسرائيلية والصينية التي تريد تنفيذ مشروع بحث وتنمية صناعية مشترك بتقديم طلب للحصول على تمويل (كل طرف من دولته) بحسب المعايير المعمول بها في تلك الدولة، والتي تصل لإجمالي 3 ملايين دولار (1.5 مليون دولار لكل طرف).

وقد أدت هذه الاتفاقيات المشتركة إلى تطور العلاقات التجارية بين إسرائيل والصين بشكل كبير، وتوضح الجداول التالية تزايد وتيرة التعاملات التجارية بين الدولتين:

ملايين الدولارات

2002

2003

2004

2005

2006

2007

نسبة التغيير

صادرات إسرائيل للصين

427

613

787

748

959

1024

7%

استيراد من الصين

793

1008

1418

1888

2428

3477

43%

العجز التجاري

367

396

632

1140

469

2453

67%

حجم التجارة

1220

1621

2205

2636

3387

4501

33%


الصادرات الإسرائيلية للصين:

السلعة (مليون دولار)

2004

2005

2006

2007

نسبة التغير 2006/2007

النسبة من صادرات 2007

أجهزة ومعدات كهربية

330

244

400

373

-7%

36%

ماس

105

114

109

171

57%

17%

مستحضرات كيمائية

119

167

137

164

20%

16%

أجهزة ومستلزمات طبية

161

129

164

158

-3%

15%

معادن بسيطة

31

48

82

78

-5%

8%

أغضية ومشروبات وتبغ

8

16

29

30

6%

3%

مصنوعات بلاستيكية ومطاطية

10

10

11

17

49%

2%

سلع أخرى

23

18

27

33

21%

3%

الواردات الإسرائيلية من الصين

السلعة (مليون دولار)

2004

2005

2006

2007

نسبة التغير 2006/2007

النسبة من واردات 2007

أجهزة ومعدات كهربية

368

533

684

915

34%

26%

منسوجات

331

391

473

583

23%

17%

معادن بسيطة

95

125

221

441

100%

13%

مستحضرات كيمائية

128

205

279

435

56%

13%

مصنوعات بلاستيكية ومطاطية

61

86

106

148

39%

4%

أقفال، وأغطية رأس وشمسيات وزهور

76

93

115

130

13%

4%

ومن استعراض الجداول والرسم البياني، يتضح أن حجم الصادرات الإسرائيلية للصين يفوق الواردات (خلافا لمعظم الدول في الشرق الأوسط)، وأن الصين أيضا في حاجة للعلاقات الاقتصادية مع إسرائيل، مثلما أن إسرائيل في حاجة للعلاقات مع الصين.

تطور العلاقات التجارية بين الصين وإسرائيل:

آفاق المستقبل

بعد استعراض هذا المسار من العلاقات المختلفة بين الصين وإسرائيل، يمكن القول إن الطريق لأن تكون الصين، كما يرغب الإسرائيليون، حليفا إستراتيجيا أول لإسرائيل لا يزال في بدايته، وأن على الدول العربية والإسلامية الانتباه إلى هذا التنامي الكبير في العلاقات بين الدولة التي يرى الكثيرون أنها “القطب العالمي القادم” وبين إسرائيل التي احترفت قراءة المتغيرات جيدا وإدارة علاقاتها مع الكبار من خلال نظرية “الولاء للأقوى”؛ فإسرائيل هدفها الأبعد هو تجهيز البديل للحصان الأمريكي المتعثر لضمان تفوقها على الدول العربية والإسلامية مستقبلا.

وتجدر الإشارة أخيرا إلى التوصيات التي خلص إليها الباحثون الإسرائيليون ورجالات الفكر الإستراتيجي في مؤتمر هرتسيليا التاسع فيما يتعلق بالسبل للدفع بالعلاقات مع الصين وتجهيزها كحليف إستراتيجي جديد، حيث أكدوا على الآتي:ـ

• إقامة زيارات رسمية رفيعة المستوى بشكل أكثر كثافة، والتأكيد على مدى أهمية إسرائيل في استقرار وأمن المنطقة.

• ضرورة تعيين شخصيات سياسية مرموقة في السفارة الإسرائيلية بالصين (على مستوى السفراء بالولايات المتحدة)، وليس مجرد شخصيات دبلوماسية، نظرا لأهمية الصين في المرحلة القادمة.

• استغلال الأشخاص الذين كانت تربطهم علاقات بالصين بسبب خبرتهم في التعامل مع تلك المنطقة من العالم، فضلا عن الصينيين الذين يولون أهمية كبيرة للعلاقات الشخصية.

• تعزيز التعاون التكنولوجي مع الصين وجذب الاستثمارات، من خلال تدخل عناصر دبلوماسية وسياسية إسرائيلية، الأمر الذي من شأنه أن يسفر عن عقد صفقات ويتيح استغلال المجال الاقتصادي لتحقيق أهداف سياسية. وأهم المجالات في هذا الصدد هي تكنولوجيا الاتصالات، واستغلال مصادر الطاقة، وتحلية مياه البحر، ومكافحة التصحر، والزراعة. كما يؤكد الخبراء ضرورة المشاركة في مشروعات البنى التحتية والمناقصات العامة في الصين.

• إيجاد سبل لتعزيز التعاون الاستخباراتي بين إسرائيل والصين، مع دفع الصين لزيادة مشاركتها في الجهد الدولي لمكافحة “الإرهاب الإسلامي”.

• الحذر في التعاون الأمني مع دول أخرى في شرق آسيا للحيلولة دون الإضرار بمصالح الصين، حيث يجب عدم إقامة علاقات عسكرية مع تايوان، ودراسة وضع العلاقات بين الصين والهند قبل عقد اتفاقات أمنية كبيرة مع الهند، حتى تستغل إسرائيل ذلك كورقة مساومة في اتصالاتها مع الصين حول انتشار السلاح الصيني في دول الشرق الأوسط.

• إقامة علاقات مستمرة بين الجامعات والهيئات السياسية ومراكز الأبحاث الإسرائيلية ونظيرتها في الصين.


باحث في الشئون الإسرائيلية.

المصادر:

1-יחסי   ישראל –סין   לאחר   המשבר : הזדמנויות   ואתגרים ,יורם   עברון ,    המכון למחקרי ביטחון לאומ
“العلاقات الإسرائيلية الصينية بعد الأزمة: فرص وتحديات”، يورام عفرون، مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، على الرابط:

http://www.inss.org.il/upload/(FILE)1193314227.pdf.

2-המכוןהישראלי לייצוא، الجداول والبيانات الاقتصادية مصدرها الموقع الإلكتروني لمعهد الصادرات الإسرائيلي، على الرابط:

http://www.export.gov.il/_Articles/Article.asp?ArticleID=29373&CategoryID=799&Page=1

3-המרכז הבינתחומי הרצליה، الموقع الإلكتروني لمركز هرتسيليا متعدد المجالات، على الرابط:

http://www.herzliyaconference.org

About admin

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*


*

Scroll To Top